الشيخ محمد الخضري بك
204
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
غزوة حنين « 1 » بهذا الفتح العظيم وسقوط دولة الأوثان دانت للإسلام جموع العرب ودخلوا فيه أفواجا . أما قبيلتا هوازن وثقيف فأدركتهما حميّة الجاهلية ، واجتمع الأشراف منهما للشورى ، وقالوا : قد فرغ محمّد من قتال قومه ولا ناهية له عنا ، فلنغزه قبل أن يغزونا . فأجمعوا أمرهم على ذلك ، وولّوا رياستهم مالك بن عوف النّصري ، فاجتمع له من القبائل جموع كثيرة فيهم بنو سعد بن بكر الذين كان رسول اللّه مسترضعا فيهم ، وكان في القوم دريد بن الصّمّة المشهور بأصالة الرأي ، وشدّة البأس في الحرب ، ولتقدم سنّه لم يكن له في هذه الحرب إلّا الرأي ، ثم إن مالك ابن عوف أمر الناس أن يأخذوا معهم نساءهم وذراريهم وأموالهم ، فلمّا علم بذلك دريد سأل مالكا عن السبب ، فقال : سقت مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم لأجعل خلف كل رجل أهله وماله يقاتل عنهم . فقال دريد : وهل يردّ المنهزم شيء ؟ إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ، فلم يقبل مالك مشورته ، وجعل النساء صفوفا وراء المقاتلة ، ووراءهم الإبل ، ثم البقر ، ثم الغنم كيلا يفر أحد المقاتلين . أما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه لما بلغه أن هوازن وثقيف يستعدون لحربه ، أجمع رأيه على المسير إليهم ، وخرج معه اثنا عشر ألف غاز ، ومنهم ألفان من أهل مكة ، والباقون هم الذين أتوا معه من المدينة ، وخرج أهل مكة ركبانا ومشاة حتى النساء يمشين من غير ضعف يرجون الغنائم ، وخرج في الجيش ثمانون من المشركين ، منهم صفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو ، ولما قرب الجيش من معسكر العدو صفّ عليه الصلاة والسلام الغزاة ، وعقد الألوية ، فأعطى لواء المهاجرين لعليّ بن أبي طالب ، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر ، ولواء الأوس لأسيد بن حضير ، وكذلك أعطى ألوية القبائل العرب الأخرى ، ثم ركب عليه الصلاة والسلام بغلته ، ولبس درعين والبيضة « 2 » والمغفر « 3 » . هذا ، وقد أعجب
--> ( 1 ) هو واد في طريق الطائف إلى جنب ذي المجاز بينه وبين مكة ثلاث ليال وتسمى غزوة هوازن وهوازن اسم قبيلة كبيرة من العرب فيها عدّة بطون ، وكانت هذه الغزوة في 10 شوال سنة ثمان من الهجرة سنة 630 م . ( 2 ) هي الخوذة التي توضع على الرأس . ( 3 ) ذرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة .